ماكرون في سوريا.. البحث عن موطئ قدم في السياسة والاقتصاد
ذكّر رئيس فرنسا إيمانويل ماكرون السوريين بأن بلاده كانت أول دول أوروبا التي قطعت علاقاتها مع دمشق حين اختار بشار الأسد الحل الأمني بمواجهة الشعب للبقاء في القصر الذي زاره أمس.
لعل الذكرى تنفع بمناسبات كهذه حين تصبح في عرف الفرنسيين المجاز الأخلاقي لرد الدين والسبيل إلى عالم الأعمال والاستثمار ورجالاته الذين استكثر الرئيس الفرنسي منهم خلال زيارته الدمشقية عساه يعود إلى بلاده بجزء من كعكة إعادة الإعمار.

"توتال" الفرنسية من دمشق: سوريا مسار استراتيجي لتصدير النفط العراقي
هذا في الشأن الاقتصادي أما في السياسة فلا يزال الفرنسيون مؤمنين بإمكانية استعادة دورهم الاستعماري التليد بقفازات حريرية هذه المرة، سبيلهم إلى ذلك دعوة إلى صياغة دستور جديد والوصول إلى سوريا تعددية تشارك فيها جميع المكونات وفق أوزانهم فلا يقصى أحد عن المشهد الوطني.
دعوة لا شك بأنها سترضي الأقليات العرقية والمذهبية ومعهم أحزاب السياسة التي جفّ ماؤها في سوريا خاصة أنها صدرت من رئيس دولة بحجم فرنسا ولن تملك السلطة الحالية شجاعة المبادرة إلى استنكار دعوة ماكرون لذات السبب فهذه زيارة ستصرف ولا شك في تعزيز الدور السياسي للرئيس أحمد الشرع في الداخل والخارج وستعطيه من شرعية الاعتراف الدولي ما يسقط في أيدي خصومه، أما الامتثال لدعوة ماكرون فالزمن وحده كفيل بإثبات ما إذا كانت أداة ضغط سياسي يمكن أن يقايض عنه بثمن أم أنها تمثال حرية جديد يريد الفرنسيون بناءه في سوريا كما فعلوا في الولايات المتحدة التي يحاولون التمايز عن سياستها في هذا البلد ما استطاعوا إلى ذلك سبيلا. ولعل تشجيع الرئيس الشرع على التمسك بموقفه الرافض الدخول إلى لبنان أبرز أوجه ذلك التمايز.
وعلى مقربة من مقر إقامته سمع الرئيس الفرنسي أصوات سلسلة انفجارات ضربت دمشق بالتزامن مع زيارته ولامست طوقه الأمني دون أن تنجح في إيقاف برنامج الزيارة الذي وإن بدا حافلا فإنه يفسح لبقية من وقت يتفكر فيها ماكرون في الرسائل السياسية التي قد وصلت إليه وإلى مضيفيه من وراء تلك التفجيرات.

الشرع يكشف عن ردة فعل ماكرون عندما علم بالتفجير في دمشق (فيديو)
الاستثمار يسيل لعاب الشركات الفرنسية
يرى الخبير الاقتصادي حسن ديب أن زيارة الرئيس ماكرون إلى دمشق تكتسب أهمية كبيرة للبلدين لأنها تهدف إلى بناء الشراكة الاستراتيجية على مستوى الاقتصاد والأمن وإعادة الإعمار، كما تسمح ببلورة نظرة مشتركة للعديد من الملفات الإقليمية الهامة والحساسة.
وأشار ديب في حديثه لـRT إلى أن زيارة ماكرون تكتسب أهميتها باعتبارها الزيارة الأولى لرئيس فرنسي إلى سوريا منذ عام 2009 والأولى لرئيس غربي منذ سقوط نظام الأسد في ديسمبر 2024، ما يعكس أهمية النظرة التي توليها فرنسا إلى سوريا الجديدة وخصوصا على الصعيد الاقتصادي حيث كانت ملفات إعادة الإعمار على رأس جدول أعمال المباحثات، وهو ما يفسر اصطحاب ماكرون لوفد اقتصادي كبير ضم ممثلين عن أبرز الشركات الفرنسية العاملة في مجالات الطاقة والنقل والخدمات اللوجستية والبنية التحتية، وفي مقدمتها "سي إم آ-سي جي إم" و"توتال إنرجي".
كما كان لافتا أثناء الزيارة انعقاد منتدى اقتصادي مخصص لإعادة إعمار سوريا والممرات الاستراتيجية بما يشكل - وفق ديب - التوطئة لمساهمة الشركات الفرنسية في مشاريع واسعة في المستقبل القريب فيما جرى التوقيع على العديد من اتفاقيات التعاون ومذكرات التفاهم الاقتصادية.

الشرع يستقبل ماكرون رسميا بعد تفجيرات هزت محيط إقامته بدمشق (فيديو+صور)
وشدد الخبير الاقتصادي على أن فرنسا تدرك بشكل كبير عوائد الاستثمارات التي يمكن أن تجنيها في سوريا الخارجة لتوها من الحرب خاصة في قطاعات الكهرباء والطاقة والنقل والموانئ والصناعة والقطاع المالي، وهي قطاعات تحتاج إلى سيولة كبيرة يمكن أن تتوفر بالشراكة مع الدولة الخليجية كما أشار إلى ذلك الرئيس الفرنسي فضلا عن وجود خبرات تقنية متقدمة تحتكم إليها الشركات الفرنسية.
وأبدى ماكرون استعداد فرنسا لبناء الثقة مع سورية وأن تكون شريكة في مجالات عدة، بينها الطاقة والقطاع المصرفي. رغم وجود العديد من التحديات أمامها مشيراً إلى أنها تمتلك موقعاً استراتيجياً يصل المتوسط بالخليج والعراق وعلى مسافة ساعات بحرية من مارسيليا حيث أظهرت أزمة مضيق هرمز أمام العالم قيمة الممرات الآمنة والمستقرة لتبرز أهمية الجغرافيا السورية التي استعادت اليوم دورها الحيوي كعقدة ربط لا غنى عنها في سوق الممرات العالمية.
ولفت ديب إلى أن الرئيس الشرع لاقى نظيره الفرنسي في منتصف الطريق حين تحدث عن خريطة طريق متكاملة لإعادة الإعمار والشراكة، " مؤكداً أن "الشراكة الاستراتيجية التي نؤسس لها مع فرنسا نموذج نريده للعلاقة مع أوروبا والعالم، شراكة تبنى على المصالح التي تخدم شعبينا لا على الشعارات".

وزارة الداخلية السورية تشير إلى أهداف التفجيرات في دمشق قرب مقر ماكرون
وفي خطوة لا تخلو من الرمزية التي يراد منها التشديد على الرغبة في تحصيل الحقوق مهما تقادم عليها الزمن وقع وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني ونظيره الفرنسي جان نويل بارو إعلان نيات بشأن الأموال التي أخذها معه رفعت الأسد، عمّ رئيس النظام السابق، بعد خروجه من سورية في ثمانينيات القرن الماضي واستقراره في باريس لسنوات طويلة، وقدرتها محاكم فرنسية في وقت سابق بأكثر من 90 مليون يورو. في خطوة قد تمهد لاستعادة تلك الأموال
بين الدعم السياسي والوصاية الناعمة
من جانبه يرى المحلل السياسي أحمد طعمة أن زيارة ماكرون لدمشق حملت في طياتها تأكيدا فرنسيا على وحدة سوريا المتعددة بكل أطيافها واحترام سيادتها وهو الموقف الذي أعاد الرئيس الفرنسي تكراره لأنه يرى أن استقرار سوريا يؤدي إلى تكريس الإستقرار في الإقليم وفي أوروبا.
وأشار طعمة في حديثه لـRT إلى سعي فرنسا إلى ممارسة نوع من الوصاية الناعمة على سوريا من خلال التعجيل في صياغة دستور عصري يرضي الجميع والتأكيد على المصالحة الوطنية الشاملة بين السوريين بمختلف مكوناتهم وضرورة إصلاح المؤسسات الأمنية والقضائية بمساعدة منها، إلى جانب تعزيز التعاون في مكافحة الإرهاب، وتهريب المخدرات، والحد من الهجرة غير النظامية نحو أوروبا من خلال تحريك عجلة الاقتصاد السوري.
كما ترغب باريس وفقا لطعمة في مد جسور الحوار بين سلطة دمشق وبقية المكونات السورية وخصوصا الأكراد الذين سبق وأن بنت معهم علاقة خاصة على مدى سنوات وقامت باستقبال مظلوم عبدي في باريس قبل مدة في خطوة أثارت حفيظة دمشق قبل أن تأتي زيارة ماكرون لتعيد الأمور إلى نصابها وتعيد تشبيك العلاقات مع سوريا وفق منطق الدولة وعبر القنوات الرسمية.

الشرع: نواصل المضي بإيجابية في استكمال مسار الاندماج الوطني
وشدد طعمة على أن فرنسا تلحظ بالكثير من القلق التغول الأمريكي في كل من سوريا ولبنان خاصة بعد أن فشل استثمارها في " قسد" بعد إصرار واشنطن على دمجها في صفوف الجيش السوري الجديد مشيرا إلى أن زيارة ماكرون تدفع كذلك باتجاه حث الرئيس الشرع على التمسك بموقفه الرافض للدخول إلى لبنان لأنها وإن كانت ترغب في نزع سلاح "حزب الله" لكنها تتحفظ على الأسلوب الأمريكي الذي لا يلحظ العواقب على البلدين ويصر على إمساك الملف منفردا وبعيدا عن الدور التاريخي لفرنسا في هذا البلد وفي المنطقة كما سيقطع عليها رغبتها الصريحة في تعزيز أمن شرق المتوسط وإعادة تفعيل الممرات التجارية والطاقة بين أوروبا والمنطقة.
ولفت المحلل السياسي إلى حاجة سوريا كذلك لهذه الزيارة لأسباب تتعلق برغبتها في طي صفحة التوتر غير المعلن مع فرنسا بسبب تأييدها لقوات سوريا الديمقراطية (قسد) واستقبال قائدها في باريس خارج الأطر الرسمية للعلاقة بين البلدين وهو ما صوبه ماكرون بزيارته فضلا عن إدراك دمشق لدور فرنسا الكبير ضمن الاتحاد الأوروبي وما يمكن أن يترتب على هذه الزيارة من تشجيع لبقية الدول الأوروبية على جذب الاستثمارات الأجنبية التي تأخرت كثيرا وأربكت حسابات الحكومة السورية التي يعاني شعبها كثيرا على المستوى المعيشي.

قتيل و36 مصابا في تفجيري دمشق يوم أمس
رسائل من وراء التفجيرات
وبالتزامن مع وصول الرئيس الفرنسي إلى دمشق وغير بعيد عن مكان إقامته في فندق "فورسيزن" وقبيل بدء المباحثات الرسمية وقع انفجارات متتاليان في رسالة أريد منها التصويب على الزيارة وأوضحت وزارة الداخلية السورية أن الانفجارين نتجا عن عبوتين ناسفتين بدائيتي الصنع جرى رصدهما مسبقا، إلا أنهما انفجرتا أثناء استعداد الوحدات المختصة لتفكيكهما، ما أدى إلى إصابة 18 شخصا، بينهم أربعة من عناصر الشرطة.
وأكدت الوزارة أن موقع الانفجارين يقع خارج النطاق الأمني المخصص لمقر إقامة الرئيس الفرنسي، ولم يشكلا أي تهديد مباشر لبرنامج الزيارة، وهو ما أكده أيضاً قصر الإليزيه، الذي أعلن أن الرئيس ماكرون لم يسمع دوي الانفجارات أثناء انتقاله إلى قصر الشعب، وأن برنامج الزيارة استمر وفق ما كان مخطّطاً له.
وأكد المحلل السياسي جمال رضوان أن الجانبين كانت حريصين على تظهير نجاح الزيارة وتحييدها عما حصل من خرق أمني وتعطيل مفاعيل الرسائل الأمنية من وراء التفجيرات.
وأشار رضوان في حديثه لـRT إلى رغبة باريس في توسيع التعاون مع دمشق في مجالات مكافحة الإرهاب من خلال المساهمة في مواجهة تنظيم "داعش" وبقية التنظيمات المتطرفة أو في معالجة ملف المقاتلين الأجانب بما فيهم الفرنسيون والذي يشكل هاجسا كبيرا بالنسبة لفرنسا ومعها بقية دول الاتحاد الأوروبي نتيجة انعكاسه على الأمن الأوروبي والإقليمي.
وختم المحلل السياسي حديثه لموقعنا بالإشارة إلى أن زيارة ماكرون إلى سوريا ستؤسس لشراكة كبرى بين البلدين على المستويات الاستراتيجية حيث سيكون الاقتصاد بوابة فرنسا إلى العودة بقوة إلى المنطقة فيما ستعتمد سوريا على فرنسا في تعزيز موقفها الدولي وتحصين بنيتها الاقتصادية والإدارية ورفع سوية مؤسساتها الأمنية والقضائية كما ستشجع الدول المترددة على الاستثمار في سوريا بعدما أظهرت هذه الزيارة أنها باتت تقف اليوم على سكة الاستقرار.
المصدر: RT
التعليقات